أعمال التطوير تتحدى روايات الرعب.. ماذا يحدث في قصر السكاكيني ليلا؟
كتب: سمر محمد - آية الله محمد - حور محمد جمال الدين- حبيبة ياسر
قصر السكاكيني بحي الظاهر، أحد أحياء القاهرة العريقة، يعد واحدا من أجمل قصور القرن التاسع عشر في مصر، حيث يتمتع بشهرة عالمية نظرا للطراز المعماري الفريد الذي يتميز به، هذا القصر ظل مهجورا لسنوات طويلة وارتبطت به العديد من الروايات الشعبية حيث يزعم الأهالي أنهم كانوا يشاهدون أشياء خارجة عن المألوف، مثل الأضواء الخافتة التي تظهر وتختفي والأصوات المرعبة التي تنبعث منه مساءً.. وبالرغم من هذه الروايات التي ليس لها دليل إلا أن القصر يستعد للعودة للحياة بعد عقود من التهميش.. فريق "مورستان" قرر زيارة القصر فكان هذا التقرير.
القصة التاريخية للقصر
لم تكن بداية حكاية حبيب السكاكيني، صاحب القصر، توحي أبدًا بما سيصل إليه لاحقًا من مكانة ونفوذ، فقد بدأ حياته عاملًا بسيطًا في منطقة قناة السويس في عهد الخديو إسماعيل، يعيش حياة عادية كغيره من آلاف العمال. لكن نقطة التحول جاءت مع فرصة غير متوقعة، حين استطاع أن يلفت انتباه الخديوي إسماعيل بحل عملي لمشكلة كانت تؤرقه.
تمثلت هذه المشكلة في انتشار القوارض التي كانت تتسبب في إتلاف أساسات المباني، وهو ما شكّل تهديدًا حقيقيًا للمنشآت الحديثة في ذلك الوقت. وبينما عجزت الحلول التقليدية عن إنهاء الأزمة، طرح السكاكيني فكرة بسيطة لكنها فعالة: إطلاق قطط جائعة داخل المناطق المصابة بالقوارض، لتقضي عليها بدافع الغريزة. وقد أثبتت الفكرة نجاحها، ونالت إعجاب الخديوي، لتكون بداية انطلاقة جديدة في حياة الرجل.
هذا النجاح فتح أمام السكاكيني أبوابًا لم يكن يتخيلها، إذ لم يعد مجرد عامل، بل أصبح محل ثقة لدى دوائر الحكم. وفي إطار سعي الدولة لتطوير القاهرة وتحديثها، كُلّف السكاكيني بالمشاركة في مشروع ضخم، هو إنشاء دار الأوبرا الخديوية في حي الأزبكية، أحد أهم الأحياء الحيوية في العاصمة آنذاك.
في هذا المشروع، أظهر السكاكيني حسًا معماريًا لافتًا، مستفيدًا من الخبرات الأوروبية الموجودة في مصر، خاصة المهندسين الذين شاركوا في أعمال حفر قناة السويس. وقد نجح في تقديم نموذج معماري يجمع بين الأناقة الأوروبية واللمسات الشرقية، في وقت كانت فيه القاهرة تشهد تحولًا حضريًا كبيرًا، ما جعله يثبت قدرته على الابتكار وتقديم حلول تصميمية متقدمة.
ومع تزايد نجاحاته، قرر السكاكيني أن يخلّد اسمه من خلال بناء قصره الخاص، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز المعالم المعمارية في القاهرة، وهو قصر السكاكيني. وقد جاء تصميم القصر انعكاسًا واضحًا لشخصية صاحبه؛ حيث مزج بين الطراز الأوروبي الكلاسيكي والعناصر الشرقية، ليخرج في صورة فريدة تجمع بين الفخامة والتفرد.
تميّز القصر بتفاصيله الدقيقة وزخارفه الغنية، من التماثيل المنتشرة على واجهاته، إلى الأعمدة والنقوش التي تعكس ذوقًا معماريًا رفيعًا. ولم يكتفِ السكاكيني ببناء قصر مميز، بل حرص على أن يترك بصمته الشخصية واضحة، فوضع تمثالًا نصفيًا له أعلى المدخل، ودوّن اسمه وتاريخ البناء “حبيب السكاكيني 1897”، في خطوة تعكس رغبته في تخليد إنجازه.
ورغم مرور عقود طويلة على تشييد القصر، لا يزال شاهدًا على قصة صعود استثنائية لرجل بدأ من الصفر، واستطاع بذكائه وجرأته أن يغير مسار حياته، ويترك أثرًا لا يُمحى في تاريخ العمارة المصرية
ماذا يقول الأهالي عن القصر؟
يقع القصر في قلب حي قديم مكتظ بالسكان، حيث تتناقل بعض الروايات الشعبية بين الأهالي قصصًا تضفي عليه طابعًا من الغموض.
يقول عم أحمد علام، 65 سنة، من سكان المنطقة: "كنت أسمع حكايات مرعبة عن القصر وأنا صغير، وكانت نخاف أن نقترب منه، وكان أبي يحذرني من التسلل للقصر أو محاولة اللعب بجواره، كنت أسمع أنه مسكون بالعفاريت، لأنه كان مهجور فترة طويلة، وكثيرا ما كان الأهالي يسمعون أصوات صريخ عالية قادمة من الداخل دون أي تفسير".
والتقينا الحاج جمال السقا، من السكان المجاورين، حيث قال لنا إنه يؤمن بوجود الجن والعفاريت، وإن هناك فعلا أماكن مسكونة، ومن بينها قصر السكاكيني، ولذلك نحن كنا سعداء بجهود التطوير في القصر بعدما تم تحويل ملكيته لوزارة الثقافة، وفي الماضي كان القصر مرعبا فعلا فكنا نسمع أن بعض المصابيح تضاء ليلًا بشكل مفاجئ، وأن بنت حبيب السكاكيني باشا كانت تظهر وهي ترتدي روب أبيض في الشرفة وكانت تظهر وتختفي سريعا، أيضا كان القصر مأوى لأنواع غريبة من الطيور والغربان والخفافيش والتي كانت تصدر أصواتا مرعبة في الليل".
في إطار جهود الدولة لتطوير معالم القاهرة التاريخية، تنفذ وزارة السياحة والآثار مشروعًا لترميم قصر حبيب باشا السكاكيني، الذي يتوسط الميدان الذي يحمل اسمه، بالقرب من محطة مترو غمرة بحي الظاهر وسط العاصمة. ويهدف المشروع إلى إعادة إحياء القصر واستعادة رونقه المعماري، بعد سنوات من الإهمال التي أثرت على حالته.
ويأتي تنفيذ أعمال الترميم ضمن بروتوكول تعاون بين وزارتي السياحة والآثار، والإسكان والمجتمعات العمرانية، بتمويل من جهاز إحياء القاهرة الفاطمية والإسلامية. وفي هذا السياق، أوضح هشام سمير، المشرف العام على قطاع المشروعات بـ المجلس الأعلى للآثار، خلال جولة تفقدية لأعمال الترميم، أنه تم الانتهاء من تدعيم الأساسات والبدروم، ومعالجة الشروخ، إلى جانب تطوير شبكات الكهرباء والإضاءة الداخلية والخارجية لواجهات القصر، بما يتناسب مع قيمته التاريخية وأهميته الأثرية. ويقع القصر على مساحة 2698 متراً، ويضم أكثر من خمسين غرفة، بها أكثر من 400 نافذة وباب، ونحو 300 تمثال، من بينها تمثال نصفي لحبيب باشا السكاكيني بأعلى المدخل الرئيسي للقصر.
صور الموضوع
موضوعات مرتبطة
أماكن
يوم في قصر البارون.. لهذه الأسباب يشعر الزائرون بالرعب عند دخوله لأول مرة!
كتب: محمد طارق – ميريت ماهر – سندس خالد - وليد مصطفى
أماكن
الأشباح تغادر عمارة تيرينج المهجورة.. تطوير المبنى وتحويله لمركز تجاري وإداري بالعتبة
كتب: محمد طارق – وليد مصطفى – سندس خالد – ميريت ماهر
أماكن
99 عاما على قتله.. لماذا لم ينصرف شبح شيكوريل من مقر قصره بالذمالك حتى اليوم؟
كتب: ميريت ماهر – محمد طارق – وليد مصطفى – سندس خالد – منة الله خالد
أماكن