الأشباح تغادر عمارة تيرينج المهجورة.. تطوير المبنى وتحويله لمركز تجاري وإداري بالعتبة

كتب: محمد طارق – وليد مصطفى – سندس خالد – ميريت ماهر

تُعد عمارة “تيرينج”، لمن لا يعرفها، واحدة من أبرز المباني الأثرية المميزة، إذ تتكون من خمسة طوابق تعلوها كرة ضخمة ترتكز على أربعة تماثيل، في تصميم معماري فريد يلفت الأنظار. وتُصنَّف العمارة كتحفة فنية نادرة، حيث يُقال إن هذا الطراز لا يوجد منه سوى ثلاثة نماذج فقط على مستوى العالم. هذا المكان ارتبط بمجموعة من الأساطير والخرافات، خاصة وأنه ظل مهجورا سنوات طويلة قبل أن يتم تطويرها وتحويلها لمركز تجاري.

القصة التاريخية

بحسب ما يرويه المؤرخون، سعى فيكتور تيرينج، التاجر النمساوي، إلى استلهام تجربة المتاجر الأوروبية الكبرى على غرار محال “سيزار ريتز”، فاختار موقعًا استراتيجيًا في ميدان العتبة، لما يتمتع به من موقع يربط بين القاهرة القديمة والحديثة، ليُقيم عليه مشروعه التجاري المعروف بـ“محلات تيرينج”.

وأوكل تيرينج مهمة التصميم إلى المهندس المعماري النمساوي أوسكار هورويتز، لتخرج العمارة كواحدة من أكبر وأغرب المباني التجارية في الميدان من حيث الشكل، حيث تتوّجها كرة أرضية تحيط بها أربعة تماثيل في تصميم لافت.

وقد عُرفت العمارة في ذلك الوقت كأحد أفخم وأكبر المتاجر متعددة الطوابق في القاهرة، على غرار المراكز التجارية الحديثة، إذ كانت تضم مجموعة متنوعة من السلع الفاخرة، مثل الأزياء والعطور الباريسية، والأقمشة الإنجليزية، والمنسوجات النمساوية، والأدوات المنزلية الألمانية. وتشير بعض الروايات إلى أن هذا الطراز المعماري الفريد لا يوجد منه سوى ثلاث نماذج فقط على مستوى العالم.

خرافات وأساطير

ارتبطت عمارة تيرينج عبر الزمن بحكايات وأساطير شعبية، من أبرزها ما عُرف بـ“لعنة تمثال أطلس” و“غرفة المشنقة”، وهي روايات نسجت حول المبنى منذ فترة الاحتلال البريطاني لمصر، وأضفت عليه هالة من الغموض والخوف. وبفعل هذه القصص، تراجعت مكانة العمارة تدريجيًا، حتى غابت عن الاهتمام العام، وباتت مهجورة نسبيًا، يتجنب البعض الاقتراب منها أو حتى تصويرها.

وتتناقل الأقاويل أن من يقف على كوبري الأزهر يمكنه رؤية التمثال والغرفة من بعيد بوضوح، لكن محاولة الاقتراب من المبنى نفسه تُحيط بها—وفق هذه الروايات—مواقف غامضة تثير القلق، ما يعزز من حضور الأسطورة في الوعي الشعبي، رغم غياب أي دليل موثق يدعم صحتها.

تعلو سطح عمارة تيرينج غرفة صغيرة يحيط بها قدر من الغموض، تتوّجها أربعة تماثيل لـ“أطلس” تحمل كرة ترمز إلى الكرة الأرضية. ووفق روايات متداولة، كانت هذه الكرة تُضاء ليلًا وتُطفأ نهارًا خلال فترة إنشاء المبنى، في مشهد لافت آنذاك.

ومع خروج مالك العمارة الأجنبي من مصر خلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر ووضع السلطات البريطانية يدها على المبنى، بدأت تتردد حكايات عن “لعنة” ارتبطت بتمثال أطلس وصاحب العمارة، وقيل إنها كانت سببًا في تعثر نشاطها لفترة من الزمن

مصدر تاريخي: روايات شعبية لا تستند لدليل

من جانبه يذكر الدكتور رفعت عثمان، الباحث في مجال التاريخ، أن بدايات إنشاء عمارة تيرينج تعود إلى عام 1913، وتتكون من 5 طوابق، وتُعد في ذلك الوقت من أكبر مراكز التجارة الحديثة في مصر. ومع فرض الاحتلال البريطاني لمصر للأحكام العرفية بعد الحرب العالمية الأولى، تمت مصادرة ممتلكات الأجانب، وكان من بينهم فيكتور تيرينج، مالك العمارة. لكن السلطات البريطانية منحت المتجر آنذاك ترخيصًا مشروطًا لمزاولة التجارة ضمن منظومة الإمبراطورية البريطانية، إلا أن فقدان مصادر الإمداد بالبضائع أدى إلى تراجع نشاطه، قبل أن يتم تصفيته نهائيًا عام 1920. وبعد ذلك، انتقلت ملكية العمارة بين عدد من الملاك عبر فترات زمنية مختلفة. وفيما يتعلق بالأساطير المتداولة حول المبنى، فإن ما يُشاع عن “غرفة المشنقة” أو غيرها من الروايات لا يستند إلى أي دليل تاريخي موثق، موضحًا أن جميع هذه القصص لا تتجاوز كونها خرافات شعبية، خاصة أنه لم يكن لدى ملاك العمارة ما يدعو إلى إنشاء مثل هذه الغرفة أو استخدامها لهذا الغرض.

عند زيارتنا للمكان، تحدثنا مع بعض البائعين المجاورين لمقر العمارة، حيث التقينا الحاج أحمد عابد، 77 سنة، تاجر بالعتبة، ويقول: كنا نسمع زمان عن حكايات مرعبة عن العمارة، لكن الحقيقة أنها كلها تخاريف، فأنا كان عندي مخزن بها، ولم أشعر بأي شيء غريب، لكن لو واحد عقله خفيف ممكن يصدق هذه الخرافات، خاصة وأن العمارة من الداخل ممكن تكون مخيفة بسبب الجدران الطويلة، والممرات المظلمة، وكنا فعلا نخاف أن ندخل إليها ليلا أو أن نصعد لغرفة المشنقة، لكن في السنوات الأخيرة بدأت الحكومة تهتم بالعمارة وقامت بنقل المخلفات من داخلها.

نظرا لأهميتها التاريخية والمعمارية سعت محافظة القاهرة، بالتعاون مع أجهزة الدولة المعنية، لإعادة إحياء تلك العمارة ضمن تطوير شامل لميدان العتبة، الذي احتله الباعة الجائلون لعهود طويلة، الأمر الذي تسبب في تشويه الميدان وتغيير ملامحه التاريخية والجمالية بالكامل، رغم ما يحويه من عقارات ومبان تراثية مهمة، وبإحياء "تيرينج" تستعيد العاصمة أمجادها من جديد.

ووفقا لما أعلنته محافظة القاهرة، فقد تم رفع كفاءة عمارة تيرينج في إطار مخطط تطوير ميدان العتبة، وذلك في ضوء محورين:

تحويل النشاط: من المستهدف تحويل العمارة من وضعها الحالي (ورش ومخازن) إلى مركز تجاري وإداري منظم يتناسب مع قيمتها التراثية، ضمن مشروع تطوير القاهرة الخديوية.

الوضع الإيجاري: جاري ترميم واجهات المحلات أسفل العمارة، ومن المتوقع إعادة تنظيم المساحات للتأجير التجاري بعد الانتهاء من القانون الجديد للإيجار القديم.