تسكن في ذاكرة البحر.. جماجم وعوالم غامضة في مدينة "هيراكليون" الغارقة بالإسكندرية
كتب: ميريت ماهر
بينما ننشغل نحن بزحام شوارع الإسكندرية وصوت "ترام" الرمل، هناك عالم آخر تماماً يقع على بُعد خطوات من شاطئ "أبي قير". عالم لا يعرف الضجيج، تسكنه تماثيل ضخمة لملوك وآلهة، وأوانٍ منزلية كانت يوماً ما جزءاً من حياة عائلات تشبهنا. نحن لا نتحدث هنا عن أسطورة "أطلانطس" الخيالية، بل عن حقيقة ملموسة تقبع في قاع البحر لأكثر من 1200 عام.. إنها مدينة "هيراكليون" التي تضم كنوزا هائلة من الأسرار الغارقة!
في القرن الثامن الميلادي، لم تكن هذه المدينة مجرد ميناء، بل كانت بوابة مصر للعالم. لكن في لحظة خاطفة، قررت الطبيعة أن تكتب نهاية غير متوقعة. وتؤكد الدراسات الجيولوجية الصادرة عن المعهد الأوروبي للآثار الغارقة (IEASM) أن زلازل متلاحقة أدت لظاهرة تُعرف علمياً بـ "تسييل التربة" (Soil Liquefaction)، حيث تحولت الأرض الصلبة تحت أقدام السكان إلى حالة سائلة، لتنزلق المدينة بكل ما فيها من قصور ومعابد وبشر إلى باطن البحر.
تخيلتُ وأنا أبحث في المصادر، كيف كان شعور هؤلاء الناس في لحظاتهم الأخيرة؟ هل كان هناك طفل ترك لعبته وهرب؟ أم تاجر ظل متمسكاً بصرة دنانيره حتى غطاه الموج؟ هذه التساؤلات هي ما تجعل من "المدينة الغارقة" قصة إنسانية وليست مجرد "أحجار قديمة".
رأي خبراء الآثار الغارقة
يقول الدكتور محمد عزام، خبير الآثار الغارقة بالإسكندرية، والباحث في تاريخ العصر الروماني والبطلمي، إن تاريخ هذه المدينة يعود إلى نحو عام 800 قبل الميلاد، أي إلى الفترة نفسها التي بدأت فيها اليونان الخروج من عصورها المظلمة الأولى، وبداية تشكّل الحضارة اليونانية بالشكل المعروف تاريخيًا.
ويضيف أن هذه المدينة كانت تمثل ميناء مصر الرئيسي على البحر المتوسط، وكانت تُعد مدينة عالمية الطابع (كوزموبوليتانية)، حيث التقت فيها حضارات البحر المتوسط المتقدمة، مثل الحضارة الفينيقية، والحضارة المصرية، والحضارة القرطاجية. وقد أقيمت المدينة على أحد فروع نهر النيل السبعة آنذاك، وهو الفرع الكانوبى، وكانت تطل كذلك على البحر المتوسط، ويُرجّح أن موقعها يقع حاليًا داخل خليج أبو قير، على بُعد يقارب 2.5 كيلومتر، حيث تم العثور على بقايا المجرى القديم للفرع الكانوبى في قاع الخليج.
ويوضح أنه عند وصول الإسكندر الأكبر، كانت هذه المدينة قد مرّ على تأسيسها ما لا يقل عن 500 عام. أما في الجهة الغربية، فكانت توجد مدينة “رع كيديت” أو “رع يحمى”، والتي عُرفت عند الإغريق باسم “راكوتيس”. وكانت هذه المنطقة عبارة عن مدينة صغيرة أو قرية كبيرة تحيط بها مجموعة من القرى الأصغر، وكانت تتبع إداريًا المقاطعة السابعة من الدلتا الشمالية.
وقد ظلت "هيراكليون" سراً دفيناً حتى عام 2000، عندما نجحت البعثة الفرنسية المصرية بقيادة العالم "فرانك جوديو" في كسر صمت البحر. ولم يكن الاكتشاف مجرد "صدفة"، بل جاء نتيجة مسح مغناطيسي وجيوفيزيائي دقيق لقاع البحر.
ويضيف عزام أن الدليل القاطع على حقيقة هذه المدينة ظهر جلياً حين استخرج الغواصون "لوحة تونيس-هيرقليون"؛ وهي كتلة ضخمة من الحجر الأسود بارتفاع مترين، منقوش عليها نص ملكي من عهد الملك "نختنبو الأول" يحدد القواعد الجمركية للميناء. هذه اللوحة، الموجودة حالياً في متحف الإسكندرية القومي، كانت بمثابة "بطاقة هوية" أعادت للمدينة اسمها بعد قرون من النسيان.
ما وجده الغواصون كان بمثابة صدمة حضارية؛ تماثيل عملاقة طولها يتجاوز الخمسة أمتار تقف شامخة في القاع وكأنها "حراس للزمن". وأكثر ما يلمس القلب في هذا الاكتشاف ليس الذهب، بل "الأشياء الصغيرة" التي وثقتها سجلات البعثة:
• دبابيس شعر برونزية: تعود لنساء كنّ يهتممن بجمالهن قبل قرون.
• بقايا سلال فاكهة: لا تزال محتفظة بشكها بفضل انعدام الأكسجين في القاع.
• عملات معدنية: سقطت من أيدي أشخاص كانوا يظنون أن مدينتهم لن تزول أبداً.
المدينة الغارقة ليست مجرد مزار سياحي، هي رسالة بأن "الأثر" هو أغلى ما يملكه الإنسان. غابت "هيراكليون" عن اليابسة، لكنها بقيت في ذاكرة البحر لتعود وتخبرنا قصتها اليوم من خلال تلك الشواهد التي استقرت يوماً في قاع خليج أبي قير لتشهد على عظمة "عروس البحر" التي لا تنتهي أسرارها مهما مرت العصور.
صور الموضوع
موضوعات مرتبطة
أماكن
يوم في قصر البارون.. لهذه الأسباب يشعر الزائرون بالرعب عند دخوله لأول مرة!
كتب: محمد طارق – ميريت ماهر – سندس خالد - وليد مصطفى
أماكن
الأشباح تغادر عمارة تيرينج المهجورة.. تطوير المبنى وتحويله لمركز تجاري وإداري بالعتبة
كتب: محمد طارق – وليد مصطفى – سندس خالد – ميريت ماهر
أماكن
99 عاما على قتله.. لماذا لم ينصرف شبح شيكوريل من مقر قصره بالذمالك حتى اليوم؟
كتب: ميريت ماهر – محمد طارق – وليد مصطفى – سندس خالد – منة الله خالد
أماكن
أعمال التطوير تتحدى روايات الرعب.. ماذا يحدث في قصر السكاكيني ليلا؟
كتب: سمر محمد - آية الله محمد - حور محمد جمال الدين- حبيبة ياسر