أسطورة مخيفة تسكن الريف.. عم محمد هارون يروي قصته مع النداهة

حوار: سمر محمد سعيد

تُعد "النداهة" واحدة من أشهر الحكايات الشعبية التي ارتبطت بالريف المصري، حيث تناقلتها الأجيال باعتبارها كائنًا غامضًا يظهر ليلًا وينادي المارة. في هذا الحوار، التقينا محمد هارون (62 عامًا)، أحد أبناء إحدى قرى مدينة السويس، الذي يروي لنا تجاربه الشخصية مع تلك الحكايات.

من وجهة نظرك، ما حقيقة “النداهة”؟ وهل سمعت صوتها بالفعل؟

أرى أن كل ما يُقال في هذا السياق لا يعدو كونه خرافات، غير أن بعض الوقائع القديمة كانت تُثير الشك لدى الناس. فبعد حرب أكتوبر 1973، وتحديدًا في عام 1974، كان جدي يسقي الأرض ليلًا، فعاد مسرعًا وهو يقول إنه رأى حمارًا يأكل البرسيم. لكن عندما ذهبوا للبحث، لم يعثروا على شيء، بل سمعوا أصواتًا غريبة في موضعٍ كان قد شهد مقتل عدد من الجنود الإسرائيليين، ومع الوقت قال بعض الناس إنهم كانوا يسمعون أصوات غامضة دون وجود شخص ينادي.

هل مررتُ بموقفٍ شخصي؟

نعم، ففي السنة الأولى من المرحلة الإعدادية، وأثناء عودتي من الدرس ليلًا، خُيّل إليّ أن أحد المنازل المجاورة لنا كان مشتعلًا بالنيران. وفجأة شعرت بأن هناك صوتا غريبا ينادي على المارة، وقد سارعتُ إلى مناداة أهلي، ولكن عندما خرجوا لم يجدوا أي أثرٍ للحريق. ولم نعرف ما هو مصدر هذا الصوت وقد أثار هذا الموقف في نفسي خوفًا شديدًا في ذلك الوقت. وفسر الأهالي هذا الموقف بوجود النداهة في هذا البيت.

ما سبب الخوف من الندّاهة في رأيك؟

أرى أن هذا الخوف ترسّخ في نفوس الناس نتيجة الحكايات الشعبية التي تناقلها الأجداد عبر الأجيال. فقد كنا نسمع هذه الروايات منذ الصغر، فتستقر في العقل الباطن وتتحول إلى صور ذهنية حاضرة. وعندما يجد الإنسان نفسه يسير ليلًا في مكانٍ مظلم وهادئ، يبدأ في استدعاء تلك القصص دون وعي، فيتخيّل أصواتًا أو حركات، ويشعر وكأن هناك شيئًا يراقبه أو يناديه، رغم عدم وجود دليل حقيقي على ذلك.

هل كانت حكاية الندّاهة تُسبب خوفًا حقيقيًا للناس؟

نعم، في الماضي كانت تُحدث خوفًا حقيقيًا وعميقًا لدى الناس، ويرتبط ذلك بطبيعة الحياة آنذاك. فلم تكن هناك وسائل إضاءة حديثة، وكانت القرى تفتقر إلى العمران والضجيج، مما يجعل الليل أكثر سكونًا وظلامًا. لذلك كان الناس يحرصون على أداء صلاتي المغرب والعشاء ثم يخلدون إلى النوم مبكرًا، تجنبًا للخروج في الظلام. أما في الوقت الحاضر، ومع انتشار الكهرباء واتساع العمران وازدياد الحركة، فقد تراجع هذا الخوف بشكل ملحوظ، وأصبح يُنظر إلى هذه الحكايات على أنها مجرد تراث شعبي.

هل أثّرت هذه الحكايات على خروج الناس أو عملهم في الحقول؟

في مراحل الطفولة، كان لهذه الحكايات تأثير واضح علينا؛ فكنا نتجنب السير ليلًا أو الذهاب إلى الحقول بمفردنا خوفًا مما قد نواجهه، حتى وإن كان ذلك مجرد وهم. لكن مع التقدم في العمر واكتساب قدر أكبر من الوعي، ومع دخول الكهرباء وانتشار الإضاءة في القرى، بدأت هذه المخاوف تتلاشى تدريجيًا. وأصبحنا ندرك أن ما كنا نخشاه لم يكن سوى نتاج الخيال والتأثر بالروايات القديمة، فتلاشى تأثيرها من عقولنا ولم تعد تؤثر على حياتنا اليومية أو أعمالنا.

هل ما يزال الجيل الجديد يؤمن بالندّاهة؟

لا، لم يعد هذا الاعتقاد قائمًا كما كان في السابق.

تسكن بجوار ترعة، فهل سمعتَ يومًا بحكايات عن الجن أو العفاريت؟

كانوا يروون قصصًا عن مارد يظهر عند شجرة جميز كبيرة، ويمتد على ضفتي الترعة، حتى إن الناس كانوا يتجنبون المرور بعد غروب الشمس، ومع ذلك لم يره أحد بعينه.

وهل قيل إن للندّاهة أوقاتًا أو أماكن محددة؟

كانوا يزعمون أن هذا المارد قد يظهر حتى في وضح النهار. وقد مررتُ بتجربة شخصية؛ إذ كنت أجمع ثمار المانجو في الساعة الثانية ظهرًا، فشعرت كأن أحدًا يرفع الحمل عن كتفي، فخفت وهرعت هاربًا.

وعندما أخبرتُ جدي بما حدث، قال إنه رأى من قبل شخصًا يهز شجرة المانجو ليلًا، ولكن حين بحثنا في اليوم التالي لم نجد شيئًا.

لماذا كانت هذه الحكايات منتشرة على هذا النحو في الماضي؟

بسبب قلة التعليم والوعي، إضافة إلى تأثير الأفلام القديمة التي رسّخت فكرة العفاريت. كما أن بعض الناس كانوا يختلقون القصص ويروونها، فيصدقها الآخرون.

هل يمكن القول إن الندّاهة خرافة شعبية؟

نعم، فالإنسان حين يخاف قد يتخيل أشياء لا وجود لها، ولا يوجد دليل حقيقي يثبت صحة هذه الروايات.